الرئيسية / اقتصاد / سوق بيع الشهادات المرضية تتسبب في ضياع 4.6 مليون دينار في السنة بالنسبة للقطاع العمومي

سوق بيع الشهادات المرضية تتسبب في ضياع 4.6 مليون دينار في السنة بالنسبة للقطاع العمومي

تونس-النهار نيوز

عرضت هدى على صديقتها ولاء ذات الأربعين عاماً تزويدها طوعاً بشهادة طبية تتيح لها عطلة مرضية لمدة شهر، بعد شكواها المتكررة من ثقل أعباء العمل والتزاماتها أمام طفليها بين مدرسة ونوادي رياضية وموسيقى.

بدورها، تتمتع هدى (42 سنة) بإجازة مرضية منذ سنة، حاولت إقناع صديقتها بأنه “لا خشية من الشهادة الطبية، فالإتيان بها سهل، حتى بدون فحص طبي، والرقابة الطبية عليها لا تتم بصفة آلية بخاصة إذا كان محررها طبيب نفسي”. وسبق لها أن ساعدت “أربعاً من صديقاتها وبعض أقاربهن في الحصول على شهادات لتبرير عطل مرضية متفاوتة المدة، بلغت في بعض الأحيان ثلاثة أشهر”، حسبما أكدت هدى لطمأنة ولاء.

نالت ولاء شهادة طبية تمنحها الراحة لمدة شهر (مارس الماضي). لكنها ظلّت مترددة: “هل تبقى على معاناتها وتتحمل التعب بعد أن استنفذت كل العطل المستحقة أو تقبل عرض هدى وتتمتع بـعطلة غير مستحقة”، وفق تعبيرها.

وفي صحوة ضمير، رفضت ولاء ذلك العرض وقالت لمعدة التحقيق: “كيف لي أن أنهي عن فعل وآتي بمثله، وأن أتمتع بعطلة لا حق لي فيها”؟ واستذكرت أيضاً إخلاصها في العمل وتحملها العبء وحدها كلما عمد زملاؤها “للتخطيط مسبقاً وجهراً لعطلة مرضية لبقية الأسبوع أو تزامناً مع عطلات أبنائهم المدرسية، وكذلك لحضور مناسبات عائلية أو للتمتع براحة مطولة أو للسفر وغيره”.

ولئن وجدت حيرة ولاء جواباً لها في إحساسها بالمسؤولية، فإن ذلك لم يكن حال آلاف الموظفين، الذين يشترون عطلاً “مرضية” دون وجه حق، في سوق مزدهرة أبطالها إطارات (كوادر) طبّية تخرق قسم المهنة وقانون الوظيفة العمومية، ومجلة واجبات الطبيب والمجلة الجزائية. وتتسبب هذه التجاوزات في هدر 2.7 مليون يوم عمل سنوياً وسط ضعف الرقابة، بحسب إحصائيات وزارة الوظيفة العمومية. وبالأرقام، تتكلف هذه الغيابات ما يعادل 4.5% من كتلة الأجور و2% من حجم الميزانية السنوية للدولة المقدرة بـ 29 مليار دينار في 2015 (ما يعادل 12 مليار و383 مليون دولار أمريكي).

خفايا سوق بيع شهادات الإجازة المرضية تتنوع بين المجاملة والمحاباة وبورصة أسعار ترتفع (طردياً) مع المدة المنشودة وقدرة الموظف المالية.

فوضى سوق الشهادات الطبية

كلمات بسيطة من قبيل “نحب نرتاح تعبت، نبعث لك فلان تعطيه شهادة طبية باسمي، أموري في الخدمة موش هي، نحب نرتاح، بربي نحب نسافر” ساعدت معدة التحقيق في رحلة تقصي سوق “شهادات المجاملة أو غير المستحقة”. ورصد تجاوزات موظفين بالتواطؤ مع أطباء اتخذوا من بيع الشهادات مصدر دخل سهل ضاربين عرض الحائط بأخلاقيات المهنة، حيث تحظر مجلة واجبات الطبيب الواردة ضمن الأمر عدد 1155 المؤرخ في 17 ماي/ أيار 1993 تسليم وثائق طبية دون معاينة الشخص المعني. على أن رحلة تقصي هذه السوق مكنت معدة التحقيق من توثيق مخالفات متنوعة وتم توثيق شراء 10 شهادات باسم معدة التحقيق تخولها الحصول على عطل لثلاثة أشهر.

وفيما ينص الفصلان 28 و17 من مجلة واجبات الطبيب على التوالي على أنه “يعد خطأ فادحاً تسليم كل تقرير مغرض أو شهادة مجاملة” و “يحجر على الطبيب القيام بكل عمل من شأنه توفير نفع مادي غير مبرر أو غير جائز لمريض”، نجحت معدّة التحقيق في الحصول على شهادات من أطباء حتى دون الخضوع لفحص، فيما فوّض بعضهم الأمر للسكريترات تصدرن شهادات بحضور الطبيب أو في غيابه وبمقابلته ودونها.

كما حصلت على شهادات أمضاها الطبيب فوق غطاء سيارته المركونة أمام عيادته الواقعة بالقرب من أحد المعاهد الثانوية في ولاية منوبة. وكانت توصية هاتفية كافية للحصول على إجازة طبية مدتها أسبوع لوالد معدة التحقيق المتوفى منذ 14 سنة. وتلقت الشهادة عبر بعض المعارف. كما “اشترت” شهادات طبية لابنيها تثبت أنهما قادران على ممارسة نشاط رياضي دون أن يخضعا لفحص طبي أو يقابلا الطبيب، ما قد يمثل خطراً على حياتهما في حال تعرضا لجهد فوق قدرتي جسميهما.

هذه التجاوزات الموثقة وغيرها تعرّض الطبيب ومساعديه إلى عقوبة تتراوح بين سنة (في حال المحاباة) وخمس سنوات (في حال تلقي منفعة في المقابل)، بموجب الفصل عدد 197 من المجلة الجزائية المنقح بالقانون عدد 33 المؤرخ في 23 ماي/ أيار 1998.

جالت معدة التحقيق في عيادات ذاع صيتها في مجال تجارة هذه الشهادات وفي نقاط سوداء، ازدهر فيها هذا النشاط السري، بخاصة في محيط كليات ومعاهد ثانوية.

كما أثبتت أن سوق بيع عطل المرض تخضع لقاعدة العرض والطلب، لا يخلو الأمر فيها من معاملات “إنسانية” لمن يعجز عن دفع التسعيرة كاملة، خاصة أن الأطباء قد وضعوا تسعيرات جزافية (تقديرية) حسب مدة العطلة المرضية المطلوبة، ليتراوح ثمن الشهادة الطبية على سبيل المجاملة بين خمسة دنانير و80 ديناراً.

“شهادات المجاملة” تسجل في خانة الفساد الصغير

تتفشّى ظاهرة استعمال شهادات “المجاملة” بين الموظفين، وفق دراسة أجراها الدكتور نزار العذاري رئيس قسم طب الشغل والحوادث المهنية بالمستشفى الجامعي شارل نيكول بتونس. وكشفت الدراسة التي أجريت عام 2015 على عينة من 55 عوناً (موظفا) يتمتعون بعطل مرض طويلة الأمد بهذه المؤسسة الصحية، أن 47% منهم تقدموا بهذه الشهادات لأسباب خاصة لا علاقة لها بالمرض، و16% لأسباب مهنية و26% لأسباب نفسية و11% بسبب الإصابة بأمراض مزمنة.

كما أكد 35 مستجوباً في استطلاع ميداني أجري في إطار هذا التحقيق على عينة عشوائية من 50 موظفاً، استعمالهم عطل مرض لتبرير غيابات غير شرعية على الأقل لمرة واحدة وليوم واحد على الأقل، سواء لقضاء شأن خاص أو لالتزام عائلي.

وقد وجدت هذه الشهادات صداها في نتائج تدقيق داخلي في وزارة التربية، مطلع 2016، أثبت وجود “إخلالات عديدة تتعلق بإسناد رخص مرض عادي في غير موضعها ومن غير موجب وتركز أعداد مجحفة من رخص المرض المسندة في ظرف وجيز من قبل أطباء في بعض المناطق، بلغت حد تسليم طبيب في إحدى مدن ولاية القصرين، منفرداً، أكثر من ألف شهادة طبيّة لأعوان وزارة التربية. وسلم زميله في ولاية قابس 700 شهادة”، وفق مدير عام الموارد البشرية بالوزارة سالم حرشاي.

كما أثبت التدقيق، أن أطباء أسندوا رخصاً لموظفين كانوا متواجدين خارج التراب التونسي أو في السجن، وأخرى لتبرير غيابات في مواعيد محددة بسبب ممارسة أصحابها لعمل آخر، في خرق لقانون الوظيفة العمومية الذي يمنع ممارسة نشاط مهني خلال الانتفاع بعطلة مرض أو بالتوازي مع عمله الأصلي.

شهادات المجاملة ممارسة متفشية

وزارة التربية زودت عمادة الأطباء بقائمة ضمت أكثر من 100 طبيب/ة يشتبه في تورطهم في تمكين أعوان التربية من شهادات طبية على سبيل المجاملة، حسبما يؤكد رئيس هيئة عمادة الأطباء، الدكتور نبيل بن زينب لمعدة التحقيق. على أن بن زينب يوضح أن هذه القائمة لم تتضمن مدعمات تثبت تورط الأطباء عدا في حال واحدة، ما جعل العمادة تطالب بتوفير ما يثبت الشبهات المنسوبة للأطباء.

وكانت العمادة حذّرت في نشرتيها عدد 33 و34 لشهري أكتوبر/ كانون أول 2011 ونوفمبر/ كانون الثاني 2012، من انتشار تداول شهادات المجاملة، مؤكدة تلقيها عديد شكاوى تتصل بتزايد الغياب عن العمل بسبب التواطؤ والمجاملة في منح الشهادات الطبية. وتم إيقاع عقوبات على المخالفين، خاصة بسبب إصدار شهادات طبية دون معاينة المعني بالأمر على اعتبار أن هذه المخالفة لأخلاقيات المهنة الطبية، تعد خطرة.

هدر موازنة الدولة

ولسهولة الحصول على شهادات يعتمد موظفون على الإجازة المرضية دون اللجوء إلى رصيدهم في العطلة السنوية المحددة بـ 30 يوماً، وفق القانون عدد 112 المؤرخ في 12 ديسمبر/ كانون الأول 1983.

وفي الوقت الذي يبحث قرابة 730 ألف تونسي عن عمل، ثلثهم من حاملي الشهادات العليا، تتسبب الغيابات المسنودة بعطل المرض في ضياع 2.5 مليون يوم عمل، بمعدل 3.7 يوم بعنوان عطلة مرض عادي في السنة عن كل عون عمومي، وفق إحصائيات وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة. يتصدر لائحة التجاوزات وزارتا التربية والصحة؛ كبرى المؤسسات المشغلة في تونس، حيث ينتسب للقطاع العام قرابة 630 ألفاً، وفق تقديرات 2015.

أما عطل المرض طويل الأمد فتسببت سنة 2015، في ضياع 172 ألف يوم عمل كمعدل سنوي، 98 % بسبب أمراض نفسية. وتقدر التكلفة السنوية لهذا الخلل بـ 4.6 مليون دينار في السنة بالنسبة للقطاع العمومي ككل.

وتفيد معطيات وزارة الصحة – ثاني مؤسسة عمومية من حيث انتشار ظاهرة الغياب والتغيب- بأن عاملين في هذا القطاع المقدر عدد موظفيه بـ 80 ألفاً حصلوا على 72 ألف و456 عطلة مرض عادي / بمعدل 5 أيام عن كل عطلة/ بين 1 جانفي/ كانون الثاني 2015 و31 ديسمبر/ كانون الأول 2015. تلك التجاوزات كانت وراء ضياع 362 ألف و280 يوما. وحصلوا أيضاً على 6232 عطلة مرض طويلة الأمد، بمعدل 90 يوماً تسببت في ضياع 56 ألفاً و70 يوم عمل. وتبين أن الإناث يحصلن على ثلاثة أضعاف الإجازات عن الرجال؛ بتفاوت (77 %) إناث و (23 %) ذكور، خاصة قبل خمس سنوات من وصول سن التقاعد.

عدد المنتفعين بالعطل طويلة الأمد بوزارة الصحة قفز من 1677 عام 2008 إلى 2732 منتفعاً/ منتفعة في 2013. وتزايد تبعاً لذلك عدد أيام عطل المرض من 290 ألف و311 يوم إلى 436 ألف 785 يوم عمل. وكذلك الانعكاس المالي من أربعة ملايين و724 ألف 739 دينار تونسي إلى 10 ملايين و723 ألف و374 دينار تونسي، أي ما يعادل 4 ملايين و581 ألف 786 دولار أمريكي.

وزير الصحة السابق سعيد العايدي يؤكد أن قطاع الصحة شهد 1000 حالة غياب يومياً سنة 2015 مما يتسبب في خلل على مستوى الخدمات، وتعطيل مصالح المواطنين المتعاملين مع مختلف مصالح الوزارة، وينجم عنه خسائر تتجاوز 10 ملايين دينار سنوياً أي ما يعادل 4 ملايين و272 ألف و100 دولار أمريكي.

ضعف الرقابة

سهولة الحصول على شهادة المجاملة يقابله صعوبة إثبات طبيعة المجاملة فيها. فالقانون ينص على أنه يمكن للموظف إرسال العطلة المرضية في ظرف 48 ساعة من موعد انقطاعه عن العمل. لذا فقد يخلد للراحة ليومين، ويعود قبل أن تتم الرقابة الطبية عليه.

 مديرعام التفقدية الطبية بوزارة الصحة سمير عبد الجواد، يؤكد تزايد عدد الشكاوى والطعون في صدقية الشهادات الطبية، كما يرى أن الصعب إثبات التجاوزات بسبب سهولة الحصول على شهادة المجاملة التي قد تصل إلى ثلث الحالات. وتتركز الصعوبة في رصد الشهادات ذات العطل قصيرة الأمد، بسبب صعوبة الرقابة عليها وجنوح أطباء لعدم معارضة زملائهم في التقدير والتشخيص في حالة المطالبة بإجراء اختبار طبي رقابي.

وفي سنة 2015، درست التفقدية أكثر من 120 ملفاً في الوزارة وإدارات أخرى – مثل الديوانة (الجمارك) ووزارة العدل- تعلقت بالطعن في صحة وثائق طبية ومنها شهادات (مجاملة) وشهادات طبية أولية ووصفات وتقارير طبية. أحيل منها 18 ملفاً إلى القضاء للشبهة الجدية في الافتعال وأكثر من 10 ملفات إلى عمادة الأطباء، سجّلت فيها تجاوزات صادرة عن أطباء القطاع الخاص.

مديرة الموارد البشرية نزهة بن موسى، تؤكد أن مصالح وزارة الصحة سلطت 1081 عقوبة سنة 2015 بحق أعوان (موظفين) مخالفين في مجال استعمال الشهادات الطبية على غير وجه حق. تراوحت بين الغرامات والعقوبات من الدرجة الأولى (484 إنذاراً و363 توبيخا) والدرجة الثانية (16 تأخير في التدرج/ الترفيع و182 الرفت /الطرد/ المؤقت و36 نقل تأديبي).

وتقول بن موسى أن العطل قصير الأمد يمثّل مشكلة على مستوى الرقابة، باعتبار أن من يرتكبها يقدمها متصلة بعطلة نهاية الأسبوع، ولا يترك للإدارة مجالا للرقابة عليها.

مهمة الرقابة على هذا الصنف من العطل توكل إلى الإدارة. ولا تصبح الرقابة الطبية والإدارية نافذة إلا بعد اليوم السادس عشر على كل عون/ موظف انتفع بعطلة أو عدة عطل مدتها 15 يوما. إلا أنه يمكن للرئيس المباشر أن يقترح كتابياً إعفاء العون من الرقابة.

 أما بالنسبة للرقابة على عطل المرض طويلة الأمد، فتوكل للجان طبية على مستوى الوزارات والمؤسسات، تحال لاحقاً إلى اللجنة الطبية الوطنية بداية من السنة الثانية للعطلة. ولا تتجاوز نسبة رفض الملفات المقدمة للجنة الوطنية الطبية 1% حسب احصائيات هذه اللجنة.

ويؤكد تقرير داخلي لوزارة الصحة حصلت معدة التحقيق على نسخة منه بـ “تنامي ظاهرة التمارض المبرر بشهادات طبية تسدى على سبيل المجاملة، وسهولة الحصول على شهادات طبية تخول التمتع بالعطل دون وجود ضرورة لذلك”. ويشير أيضاً إلى “صعوبة المراقبة خلال الأيام الأولى للعطلة، بخاصة للعطل قصيرة المدى، وكذلك وجود نقائص في طرق التصرف في نظام العطل العادي على مستوى اللجان الوزارية والجهوية”. وكذلك أمست عطل المرض طويلة تشمل فئات جديدة منها الأطباء والإطارات العليا.

وتفسر بن موسى تفشي استعمال الشهادات الطبية في وزارة الصحة إلى جانب الوضعيات الحقيقية المستحقة للراحة، بوجود علاقة مباشرة بين أطباء ومنتفعين من أعوان/ موظفي الصحة ووجودهم في فضاء مشترك قد ييسر الحصول على شهادات مجاملة.

وبين الدكتور نزار العذاري أن عطل المرض قصيرة الأمد قد تخرج إطار الرقابة تماماً خاصة بسبب آجال الرقابة، كما أن اقتصار قائمة الأمراض التي تخول للمصابين بها عطلاً مرض طويلة الأمد على أمراض السرطان والأمراض النفسية والسل والشلل، قد يضطر بعض المرضى المصابين بأمراض مزمنة على غرار القصور الكلوي وأمراض القلب إلى اللجوء إلى عطل مرض عادية لتبرير غياباتهم للعلاج.

وأرجع الإشكالات المتصلة بعملية الرقابة إلى أن اللجنة الوطنية الطبية تفحص بالأساس الملفات وليس المرضى إلا في حال الشبهة أو الشك، وهنا قد تستدعي المعني/ة بالأمر. وتجتمع اللجنة الوزارية الطبية مرة شهرياً، وقد لا تنظر في الملف إلا بعد انتهاء العطلة والانتفاع بها.

ويقترح العذاري إعادة هيكلة اللجان الوزارية الطبية لجهة إدماج طب الشغل ضمن تركيبتها نظرا لأهمية هذا الاختصاص في تحديد القدرة على العمل، بالإضافة إلى ربط الترقيات المهنية والتأجير بالحضور الفعلي في العمل وعدد الغيابات.

كما يعتبر الفصل 41 من القانون عدد 112 لسنة 1983 الذي ينص على ضرورة تضمين مطلب الحصول على عطلة مرض عادي شهادة طبية من بين العوامل المشجعة على الاستعمال المجحف لهذه الشهادات لتبرير الغيابات. وقد نصت الاتفاقيات المشتركة للعمل على ضرورة الادلاء بشهادة طبية تبين نوعية المرض ومدته وتبرر غياب الأجير عن العمل حتى يصبح غيابا شرعيا، وذلك في غضون 48 ساعة.

لكن تبرير غياب الأجير (العامل) عن العمل لأسباب صحية لا يستوجب بالضرورة إثبات الإصابة بحال مرضية قائمة فعلا، إذ يمكن للأجير تبرير غيابه بشهادة طبية تثبت فقط خضوعه لفحص طبي بقطع النظر عن نتائجه.

الشهادات الطبية بين الممارسة والقانون

المختص في علم الاجتماع والتنمية البشرية بلعيد أولاد عبد الله أوجد تفسيرا للتجاوزات في جملة من المتغيرات تتصل بواقع الموظف التونسي، مبينا أن “غياب الرقابة والردع وراء استسهال استعانة الموظف بشهادات طبية صورية وتساهل الأطباء في اسدائها”.

ويلاحظ أولاد عبد الله أن استعمال شهادات المجاملة يستدعي مساءلة الطبيب الذي يخرق مبادئ المهنة وأخلاقياتها، مع سيطرة الربح المادي عليه ويخول للموظف فرصة التهرب من العقاب الاداري.

 ودعا إلى تشديد العقوبة على المتورطين في هذه الشهادات الطبية الصورية، حتى تكون رادعة، فضلا عن تعزيز ثقافة العمل وتنميتها وحفز المثابرين وإيجاد ارتباط بقيمة العمل وثقافته.

من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية عبد الرحمان اللاحقة أن الخسائر الناجمة عن الاستمراض توازي حجم الاعتمادات المرصودة لبرنامج التشغيل “فرصتي”، الذي أحدثته وزارة التشغيل خلال سنة 2015، بهدف تشغيل 120 ألف معطل عن العمل.

الأطراف المتدخلة

الأمين العام المساعد المكلف بالوظيفة العمومية بالاتحاد العام التونسي للشغل حفيظ حفيظ يسعى، من جانبه، إلى نفي وجود ظاهرة تبرير غيابات الموظفين. لكنه يستدرك قائلاً إن هذه “الممارسة موجودة ولم ترق إلى حد الظاهرة ومشكل التمارض موجود فعلاً والتشريع الحالي يحميه”، لأنه يخصص عطلا استثنائية ستة أيام خالصة الأجر لأسباب شخصية و30 يوما بعنوان شهائد طبية. ويرى أن “التمارض أحد مظاهر الفساد والمسؤولية فيه مشتركة بين الموظف والطبيب على حد السواء”. وهو يرجع هذا السلوك إلى فتور الروابط بين العون (الموظف) والمرفق العام.

في المقابل يتهم كاتب عام النقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص الدكتور محمد عياد إدارات المؤسسات بتشجيع اللجوء للشهادة الطبية كوسيلة لتسوية ملفات أعوانها (موظفيها)، وأسهل طريقة لتبرير الغياب. ولا ينكر عياد وجود استعمالات “مفرطة” للشهادة الطبية.

وزير الوظيفة العمومية يقر بوجود الظاهرة

ويقر وزير الوظيفة العمومية والحوكمة عبيد البريكي، بوجود “ظاهرة” الغيابات وتأثيرها على أداء الموظفين والخدمات المسداة، بخاصة في ظل ضعف الرقابة الراجع لنقص الوسائل اللوجستية لدى اللجنة الطبية الوطنية وتداخل دور الأطباء وضعف الانتماء لمحيط العمل.

ويرى أن معالجة هذه الظاهرة لا تتم بمعزل عن تجذير قيمة العمل وتعزيز الضمير المهني وإحداث حزمة إصلاحات؛ في مقدمتها مراجعة القانون الأساسي للوظيفة العمومية. ويشاطره في الرأي، الأمين العام المساعد باتحاد الشغل حفيظ حفيظ، الذي حثّ على صياغة تشريعات واضحة وصارمة بالتوافق بين الأطراف المهنية لإعلاء قيمة العمل، والتحلي بالضمير المهني وكذلك تكثيف الرقابة.

وفي هذا السياق، يقول أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد أن عنصرين أساسيين ينخران الوظيفة العمومية في تونس هما الغيابات والحضور السلبي والوظائف الوهمية.

ولاء غلّبت ضميرها المهني على سهولة الحصول على راحة غير مستحقة خلافا لآلاف الموظفين. وفي انتظار إصلاحات شاملة في التشريعات وآليات الرقابة، يراوح الباحثون عن عمل أمكنهم في البحث عن مورد رزق، بينما يتمتع موظفون بوظائف لايباشرونها بدعم أطباء متواطئين وأخرى وهمية، بعد أن أغلقت أبواب الإنتداب بالقطاع العام والوظيفة العمومية لسنة 2017، بسبب الأوضاع الصعبة التي كشفها مشروع قانون الميزانية.

المصدر: تحقيق استقصائي للصحفية بهيجة مبروك نشرته شبكة أريج

 

تعليقاتكم
x

‎قد يُعجبك أيضاً

توقيت فتح مكاتب البريد والوكالات المختصة خلال شهر رمضان

تعليقاتكم

،10411،