الرئيسية / وطنية / سياسة / خالد شوكات يخرج عن صمته و يكشف 8 مغالطات أطاحت بحكومة الحبيب الصيد
خالد شوكات

خالد شوكات يخرج عن صمته و يكشف 8 مغالطات أطاحت بحكومة الحبيب الصيد

تونس-النهار نيوز

نشرت حقائق اون لاين مقالا كتبه خالد شوكات الناطق الرسمي السابق باسم الحكومة الجديد جاء فيه ما يلي:

“اكتب هذا المقال من باب المساهمة في التوثيق للمرحلة وشهادة للتاريخ، وليس من باب تصفية حساب مع اي كان فذلك ليس من طبعي، بل ان أحب الناس الي  هم اعدائي ، وذلك رايي أقوله بشجاعة واتحمل مسؤوليته كاملة، والله على ما أقول شهيد).

المسالة الاخلاقية في الأنظمة السياسية ليست مسالة ثانوية مثلما يتصور البعض خطا، بل هي أساس العمل السياسي والقاعدة الاولى في تقييمه والحكم عليه، خصوصا في الأنظمة الديمقراطية، التي طالما شهدت في تجاربها العريقة استقالات واقالات بسبب تجاوزات اخلاقية، كالأكاذيب والمغالطات مثلا، ارتكبها السياسيون، روساء دول وحكومات ووزراء ومسؤولون، استوجبت التنديد وقبل ذلك الاعتراف وطلب الصفح من أصحابها، فالديمقراطية تعفي حكامها من اللجوء الى أساليب لا تتفق مع المرجعية الاخلاقية، من قبيل استعمال خطاب الإيحاء والتلميح بدل الخطاب الواضح الصريح، واساليب اللف والدوران والهمز واللمز والتحريض وغيرها تلك التي عرفت بها الأنظمة الاستبدادية عادة، مشجعة على الأساليب القانونية القويمة المستقيمة، ومنطلق ذلك كله انه ليس بمقدور الدولة احراز التقدم المستدام المطلوب وإنتاج الحضارة المرغوبة باتباع طرق لا تتسم بالفضيلة، فالديمقراطية لا تقوم بالقوانين فقط بل بالفضيلة ايضا، وهو القول المشهور لفولتير احد الآباء العظام لاطروحة النظام الديمقراطي.

اعود فأقول بناء على ما تقدم ان اكثر كما اكدته تداعيات المبادرة الرئاسية التي انبثقت عنها وثيقة قرطاج ثم ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية، هي هذه الأزمة الاخلاقية المستفحلة في صفوف النخبة السياسية، حكما ومعارضة، والتي تجلت في هذا الصمت الرهيب على تمرير اكبر حزمة مغالطات في تاريخنا الوطني المعاصر،

فقط تواطأ الجميع تقريبا، بالانخراط العملي في تبني هذه الحزمة والعمل بموجبها، او بالانخراط السلبي بالسكوت عن الممارسات الفاسدة ناهيك عن التصدي لها وشجب أهدافها ونتائجها، ولا شك عندي اليوم بان راس حكومة الحبيب الصيد كان مطلوبا باي ثمن وطريقة، ليس لان أداءها كان مخيبا للامال، بل لان مصالح الأطراف المتخالفة التقت حول ذلك الامر، ولعل من الدلائل الشكلية على ذلك تعيين بعضهم وزيرا لمجرد وشاية او تهديد قام بنقله، ومجازاة احدهم بمسؤولية رفيعة على راس احدى موسسات الدولة لانه كان من اجرى الحوار التلفزيوني الذي اطلق فيه الرئيس المبادرة، فضلا عن كل ما يقال من روايات مخجلة عن أشخاص كانوا يتسورون الجدران ليلا للمشاركة في مفاوضات تشكيل الحكومة.

لقد اثبتت الوقائع والاحداث السياسية المتتالية التي استجدت طيلة الأسابيع الماضية من عمر الحكومة الحالية، ان جميع الشعارات التي رفعها من قاموا باسقاط الحكومة الماضية، جرى خيانتها والتخلي عنها، حيث لم يصدق القوم في اي واحدة منها، واحدة فقط لا غير، وهو امر جلل لم يسبق لتونس المستقلة ان عاشته مع اي من حكوماتها، وفيما يلي بيان بالشعارات التي لم تتحقق او المغالطات الكبرى التي وقعت، والتي من فرط توزع دمها بين القبائل لم تجد من يفضحها ويبينها حتى يكون الشعب على دراية بها وقادر على محاسبة مقترفيها:

– اولا: قولهم بفشل حكومة الصيد دون القيام باي تقييم موضوعي لعملها، ولا جرد علمي وموضوعي لإنجازاتها او نقاط ضعفها. لم تقم رئاسة الجمهورية بتشكيل لجنة من الخبراء لتقديم تقرير عما أنجز او لم ينجز، ولم تتم دعوة رئيس الحكومة ولو لمرة واحدة لجلسة مع رئيس الجمهورية لمناقشة المسالة وأخذ ردود عليها وتقييم المعطيات بطريقة عقلانية مقنعة، بمعطيات وأرقام رسمية. ان ما حدث بهذا الخصوص سيرة مخجلة بأتم معنى الكلمة، اتسمت بقدر كبير من المزاجية والانطباعية، وسخرت خلالها جميع الأساليب غير اللائقة، لعل أشهرها الرسل التي ابتعثت لرئيس الحكومة لتهديده بالتمرميد، وجوزي بعضها بالتوزير جراء الخدمات غير الاخلاقية التي قدمها، وخلاصة القول ان فشل الحكومة كانت حجة مؤكدة عند اَهلها، لا تتطلب اي مجهود للتأكد من صحتها، وهي سيرة توكد المثل الشعبي “قاتلك قاتلك…”.

– ثانيا: قولهم ان الحكومة الجديدة ستكون حكومة وحدة وطنية، وقد كان المفهوم الاول الذي قدمه رئيس الجمهورية يعني انها ستضم أطرافا ثلاثة الى جانب احزاب التحالف الحاكم السابق الأربعة، اي اتحاد الشغل واتحاد الاعراف والجبهة الشعبية، فانتماء هذه الأطراف للحكومة سيعني فعلا اشراك الأطراف ذات الثقل في تحمل المسؤولية الوطنية، غير ان ما جرى لاحقا، وبعد رفض هذه الأطراف جميعا المشاركة، أضحى عملية تزويقية – من باب من أخذته العزة بالاثم- دفعت بأحزاب وأشخاص لا ثقل ولا وزن لها في المؤسسة البرلمانية والساحة السياسية، وتحت يافطة الوحدة الوطنية دخلت احزاب ذات مقعد واحد او بلا مقعد للحكومة، ولم يعد لنتائج الانتخابات اي معنى، وعاد النظام السياسي رئاسيا خلافا لما ينص عليه دستور الجمهورية الثانية.

– ثالثا: قولهم ان الحكومة الجديدة ستكون حكومة سياسية، ومعنى الحكومة السياسية ان يكون غالبية اعضاىها من الساسة لا التكنوقراط، غير ان الحكومة الجديدة غلب عليها المستقلون والتكنوقراط من جهة أولى، ومن جهة ثانية جاء اغلب اعضائها السياسيين اما من احزاب لا وزن سياسي او برلماني لها،

او هي من الصف الثاني والثالث من قيادات الأحزاب ذات الوزن البرلماني، وقد خلت التشكيلة الحكومية تقريبا من اي وجه سياسي من القيادات التاريخية سواء من الأنظمة السابقة على الثورة او من المعارضة الديمقراطية، وللتذكير فان المطالبة بحكومة سياسية كان مرده تسليم قيادة البلاد لمجموعة لديها القدرة على اتخاذ قرارات جريئة والاهم القدرة على إقناع الشعب بها، وهو امر لم يحدث للأسف.

– رابعا: قولهم ان الحكومة الجديدة ستكون حكومة كفاءات، ولا فائدة في الاطالة هنا، بل يكتفى بالاشارة الى ان هذه الحكومة ضمت اكبر عدد من الوزراء من غير حملة الشهادات الجامعية منذ الاستقلال، وهو امر غريب جدا في بلد اكثر فخره انه راهن طيلة عقود على التربية والتعليم اكثر من رهانه على اي شيء اخر، وان من بين ابنائه الشباب ربع مليون عاطل عن العمل يحملون شهادات عليا،

هذا بالاضافة الى خلو الحكومة من اي اسم وازن من اصحاب العلم والخبرة في المجالات ذات الطبيعة التكنوقراطية كالاقتصاد والمالية والتنمية والبحث العلمي والفلاحة والتجارة الخارجية، ولن نتوقف أبدا عند ما يردده البعض من توزير صغار الوشاة والمخبرين ومن تلاحقهم شبهات فساد فهذه اداعاءات تستحق ادلة وتحقيقات لا يزعم احد قدرة على امتلاكها.

– خامسا: بشّر مهاجمو حكومة الصيد بحكومة أقطاب، بمعنى التخصص لا التصوف، وقالوا من جملة المزاعم التي رددوها خلال أسابيع الهجمة، ان احزاب الاىتلاف تبنت هذه المقولة، اذ ستوزع الوزارات على اقطاب بحسب الاختصاص، ستتابع عبر وزراء دولة سيساعدون رئيس الحكومة على التحكم  بنجاعة في العمل الحكومي وبما يساهم في تسريع وتيرته ويعين على تفعيل نسق النمو الاقتصادي والاجتماعي، غير ان هذه المقولة سقطت في الماء كمثيلاتها، واعترف رئيس الحكومة الجديد بنفسه في اخر لحظة بانه سيبقي على هيكلة الحكومة على نحو هيكلة سابقاتها دون خشية بطبيعة الحال من تكذيب او محاسبة.

– سادسا: قالوا ايضا ان حكومة الثلاثين وزيرا حكومة كبيرة لا تتفق مع وضعية البلاد الاقتصادية الصعبة وسياسة التقشف التي يفترض اتباعها، ووعدوا بتشكيل حكومة مصغرة، والتزم القوم بما وعدوا فشكلوا حكومة هي تقريبا الأضخم بعد الثورة، تضم أربعين عضوا لا تسعهم طاولة اجتماعات واحدة، سواء في قصر الحكومة او دار الضيافة او حتى عند رئيس الجمهورية الذي أجلسهم في دائرتين خلافا للبرتوكول والحاجة.

– سابعا: لقد أخذ القوم على حكومة الصيد قلة الانسجام بين اعضاىها، اذ هي تحالف بين احزاب أربعة وطيف من التكنوقراط المستقلين، وعندما تشكلت الحكومة المنسجمة ضمت في حالة فريدة من نوعها عالميا، تسعة احزاب ومستقلين ونقابيين سابقين، وليس ثمة وضعية يمكن ان يضرب بها المثل في الانسجام مثل الحكومة التونسية الحالية، انسجام فكري وسياسي ومصلحي وبرامجي يخرس كل ناقد ويغلق كل فم ويقنع كل متنطع.

– ثامنا: لقد وعد القوم الشعب بتشكيل حكومة شابة، ولا شك ان رئيس الحكومة هو الأصغر فعلا في قائمة رؤساء الحكومات التونسية المتعاقبة منذ الاستقلال، لكن معدل اعمار أعضاء الحكومة ليس كذلك قياسا بالحكومات الماضية، والتشبيب عندما لا يكون مقترنا بالانسجام والكفاءة والنجاعة والفاعلية سيكون مجرد شكلانية وشعبوية لن تزيد الا من تعميق أزمة البلاد وتكبير هامش المقامرة والمجازفة في ظل مناخ محلي وإقليمي ودولي دقيق وملبد بالسحب ولا يكاد يطيق سياسة المغامرة.

ان تشكيل حكومة على أساس هذا العدد غير المسبوق من المغالطات لا يهدد فقط العمل الحكومي، بل المشروع الديمقراطي برمته، من خلال تعميق أزمة الثقة بالطبقة السياسية وبقدرة الديمقراطية على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يتحمل مسؤوليته كل من خطط او شارك او روج او تواطأ لانجاح هذه العملية، وذلك امام الشعب والوطن والتاريخ ورب العالمين”.

Facebook Comments
x

‎قد يُعجبك أيضاً

النهضة والنداء،ناجي جلول،راشد الغنوشي

لسعد اليعقوبي: ناجي جلول يزور منبليزير أكثر من زيارته البحيرة

Facebook Comments مرتبط

،10411،
%d مدونون معجبون بهذه: