الرئيسية / وطنية / سياسة / الرئيس الباجي.. بين روايتين

الرئيس الباجي.. بين روايتين

تونس-النهار نيوز

كتب القيادي في نداء تونس خالد شوكات المقال التالي وعنونه بـ”الرئيس الباجي.. بين روايتين”:

أولا من واجبي التنبيه إلى تلك العادة غير المحمودة التي استبدت بنا بعد الثورة، والتي جعلتنا نخلط دائما بين الذاتي والموضوعي، ونعتبر آليا كل اختلاف في وجهات النظر على أنه خلاف شخصي أو نوعا من القدح والذم، ومن هنا فإنني أؤكد بأن مكانة الأستاذ الباجي قائد السبسي الرفيعة محفوظة عندي تماما، وليس في نيتي لا اليوم ولا في الغد التخلي عن كل شهادات الاستحسان التي سبق وأن قدمتها في الرجل من قبل.
وثانيا فإن من واجبي أيضا التذكير بأنني اختلفت مع سي الباجي في عديد المواقف طيلة عملي معه في قيادة حركة نداء تونس أو بعد توليه رئاسة الجمهورية، وهو شخصيا كما العديد من قيادات الحركة يعرفون أنني كنت من بين أجرأ من تحدث في حضرة السيد الرئيس، تماما كما كنت من أشرس من دافعوا عنه وعن مشروع نداء تونس أمام الناس، وفي السر والعلن، ولست نادما على شيء بما في ذلك المواقف التي أخطأت في تقديرها ولدي الشجاعة للاعتذار عنها، فنحن بشر خطاءون لا تستقيم مساراتنا إلا من خلال تجارب الصواب والخطأ.

أذكر فقط بما هو معلوم للرأي العام، وخلافا لتلك الدعاية السمجة عن “العناية الإلهية” التي حاولت بعض الأطراف ذات المصلحة تكريسها، أنني خالفت السيد الرئيس وجهة النظر في عديد القضايا التي طرحت على النخبة السياسية وأخذت حيزا لا بأس به من النقاش الإعلامي، لعل من أهمها أن يكون الأمين العام لحركة نداء تونس رئيسا للحكومة آليا، وقد كنت الوحيد من بين القيادات الندائية، ممن صرح بأن سي الطيب البكوش لديه المؤهلات ليكون رئيسا لأول حكومة في الجمهورية الثانية، بينما كان لسي الباجي رأي آخر، حيث لم يكن يميل إلى سي الطيب معنويا وسياسيا.

ثم كان خلافي الثاني مع سي الباجي، عندما قرر تعيين سي الحبيب الصيد رئيسا للحكومة، وأعلنت حينها من منبر قناة نسمة، عن رأيي في الموضوع بكل صراحة، وقلت “على بلاطة” كما يقول إخواننا المصريون، إن كان لزاما علينا اختيار رئيس حكومة غير الأمين العام لحركة نداء تونس، فيجب أن يتوفر على ثلاثة شروط أولها أن يكون منحدرا من المناطق الداخلية (وهذه مسألة ليست جهوية بقدر ما تتعلق بمخالفة التقاليد الجهوية المكرسة وتستجيب لروح الثورة التونسية)، وثانيها أن يكون من الجيل الثالث، أي من الجيل الجديد للسياسيين لم ينتمي إلى النظامين السابقين، وثالثها أن يكون توافقيا على نحو يضمن دعم الحزبين الفائزين الكبيرين، وهو أمر اختلفت فيه عن تقدير الرئيس الذي عاد بعد سنة ونصف ليدفع بما قلت من مبررات لإقالة سي الحبيب وحكومته.

الخلاف الثالث الذي تباينت فيه عمليا وأمام الرأي العام مع الرئيس كان متصلا كما هو معروف بالمبادرة التي تقدم بها من خلال مقابلة تلفزيونية، من أجل إقالة سي الحبيب الصيد وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وقد رد هو بنفسه في إحدى جلسات الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج بقوله “أنني لن ألقنه دروسا في السياسة”، وأنا فعلا أقل من ألقن درسا لأحد في أي شأن من الشؤون العامة أو الخاصة، لكنني في الوقت نفسه كنت دائما أكبر من أن أحجم عن قول رأيي فيما أراه خادما للصالح العام كلفني ذلك ما كلفني، فالرجال مواقف مثلما يقال، ولطالما أوصاني والدي بأن أكون رجلا، وكنت ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

وأما الخلاف الرابع، والذي صدعت خلاله برأيي وما أزال حينها أمارس وظيفتي الوزارية، فكان متصلا بهيكلة الحكومة الجديدة، حيث لم أتردد في القول بأنني مع حكومة ثنائية الـأحزاب تجمع النداء والنهضة فقط، إلى جانب بعض التكنوقراط، لا حكومة لا لون ولا طعم ولا رائحة لها، ففي ذلك التزام بنتائج الانتخابات التشريعية وتحقيق لمبدأ السيادة الشعبية وضمان لحق الناخبين في محاسبة الأطراف المنتخبة، بينما ذهب سي الباجي إلى تجاوز كافة الأعراف الديمقراطية الأساسية تقريبا، فلا هو بذلك كان عامل استقرار للحكومة والسلطة التنفيذية، ولا هو التزم بالأعراف الديمقراطية والدستورية سواء في المرة الأولى أو في المرة الثانية، ولا هو أعان على تطور المشهد الحزبي بل كان عامل إضعاف وعدم استقرار لدى جميع الأحزاب الرئيسية الفاعلة في الساحة السياسية.

لقد قادت السياسات الرئاسية إلى حالة سياسية فريدة من نوعها في الديمقراطيات العريقة والناشئة على السواء، على نحو جعل الانتخابات البرلمانية بلا معنى، كما جعل القيادة الحزبية بلا جدوى، وكل ذلك من أجل أن تكون مؤسسة رئاسة الجمهورية هي المتحكمة دون غيرها، رغم أن الكل يعرف أن الرئيس نفسه غير قادر على القيام بواجبات “رئاسوية” ومحيطه يكاد يخلو من الكفاءات والثقات ذات الشرعية (أي نوع من الشرعية لا يهم) التي يمكن أن تتحمل مسؤولية الحكم فعلا.

لقد بدا لي أن للرئيس اليوم روايتان، إحداهما تلك التي جعلتنا نسير وراءه في تأسيس وبناء حركة نداء تونس، وتعود في جذورها إلى قصة ذلك الرجل الذي وقف في وجه الزعيم محرر البلاد وطالبه منذ بداية السبعينيات بالإصلاح الديمقراطي، ثم سلم الحكم للترويكا أواخر سنة 2011 بكل ديمقراطية، ورواية ثانية تتصل في جذورها بثقافة “رئاسوية” تربى عليها الرجل وأبناء جيله جميعا، وأعلنت عنها قبل أن تتوارى تحت وطأة الأحداث مقولته الشهيرة “أنا نحكم وحدي”..فإلى أي الروايتين سينتصر الرئيس، الرواية التي نريدها له والتي ستجعله “أبا للديمقراطية الدائمة”، أم الرواية التي يريدها له الآخرون والتي ستجعله “فخامة الرئيس” مثلما أحب بعضهم من المتقربين الجدد..نتمنى أن ينتصر الرئيس للحكمة والتاريخ القويم فتكون له الخاتمة المختلفة التي أحببنا عن سيرة الجبارين.

Facebook Comments
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وثيقة: هذا ما اتفق عليه الاتحاد مع الحكومة حول الزيادة في الأجور

Facebook Comments مرتبط

،10411،
%d مدونون معجبون بهذه: