الرئيسية / الرئيسية / أقلام حرّة / الزربيـــة الحمــــراء
لطيف

الزربيـــة الحمــــراء

تونس-النهار نيوز

بقلم: شكري بن عيسى (*)

لا شك ان اكبر تفاعل حققه الجمهور المباشر لـ”ايام قرطاج السينمائية”، والراي العام المتابع لهذه الفعالية الثقافية، كان بامتياز النشاط الافتتاحي، وبصفة خاصة الاستعراض “المتميز” في استقبال الضيوف ونصب “التابي روج” التي ما انفك مدير الدورة ابراهيم لطيف يعتبرها “انجازا” في حد ذاته يحق “الاشادة” به و”الثناء” عليه، وكيف لا و”اللوك” الجديدة لهذه النسخة يركّز اساسا على الشكل و”الشو” الذي يعتبر اساس السينما في المقاربة الرأسمالية-الاستهلاكية في “المجتمع المشهدي”: “la société spectacle” على حد تعبير Gay Debord، وخلق “حاجيات اصطناعية” من منظور الفيلسوف “هربرت ماركيز” في رؤيته لـ”الانسان ذو البعد الواحد”.

اكتساح كامل لـ”نجوم” الفن والسياسة والجامعة، من قيادات حزبية ووزراء وحتى ساكني القصبة وقرطاج، وصولا للفاعلين في المسرح والسينما والتلفزيون في الداخل والخارج، اضافة لـ”النقاد” و”المنظرين” و”المثقفينء-الاكاديميين”، الذين استهوتهم الاضواء والبهرج وخاصة “السجاد الاحمر” الذي يعطي صفة “الملوك” ولو للحظات لمن يدوس عليه، ويمنحه الاحساس بالتنصل من “عامة الناس” الى “التميز” والصعود لـ”البرج” الخاص بـ”الصفوة”، في ابراز لتراتبية وطبقية وهمية في راسه وهرمية خيالية، يعشقها الموتورين من بيئتهم ومحيطهم.

عشٌاق المنصات والمغرومين بالتبجيل واللاهثين عن الحظوة وجدوا الفسحة الكبيرة لتحقيق نرجسيتهم و”الايغوسونتريزم” الذي يجتاح شخصياتهم المتهافتة على البروز، لكن هذه المرة الفخ “نُصِب” او “انتصب” او “وقع” (لا ادري الحقيقة اي المعاني استعمل) وكان ثلاثي او رباعي “المهالك”: فـ”فوروم” الاستعراض لا يمكن ان يستوعب “الكل” من “غواة” الاضواء لذلك كان عدد الغاضبين ممن يدعون “النجومية” عال، خاصة وان السياسيين اكتسحوا المجال ادعاء لمتابعاتهم “الثقافية” واستئثارا بـ”المنبر” المعتبر دون نسيان “الشخصيات” الاجنبية التي ركزت عليها ادارة المعرض لحصد المغانم المختلفة المسجلة في “الذمة العلائقية” والمحتسبة بـوحدة “الدولار”.

اما المهلك الاكبر فهي تلك “الدودان” التي تعثّرت وحتى سقطت عليها اغلب الاجسام النسائية التي ظهرت في الاختبار “غير ممشوقة” مثلما حاولت عبثا اظهار المفاتن من “نهود” و”سيقان” و”ارداف” اتضح انها بعيدة عن “المعايير المتداولة” و”الذائقة”، استهجنها اغلب الجمهور الباحث عن الجمال الحقيقي واطنب في السخرية منها على شبكات التواصل الاجتماعي خاصة وانها كانت بطعم المهازل الحقيقية.

مدير المهرجان انشغل برئيس الحكومة الشاهد، وكان فعلا نموذجا لمثقف السلطان اللاهث من أجل استقباله وارضائه، فالحظوة بالسلطة واهلها هي طريق الوصول للمناصب العليا، وغير بعيد زين العابدين السنوسي صعد للوزارة بعد ادارة مهرجان قرطاج الفني وقبله سنية مبارك عبر نفس القناة، وفي الحد الادنى المدير الحالي يبحث عن “ديمومة” المنصب في “افتتاحية” الدورة التي كانت بقلم الخواء، لا تحمل لا عرضا لرؤية سينمائية ولا مشروعا مستجيبا للاستحقاقات الوطنية والثورية والانسانية المرتبطة باللحظة التاريخية، ولم يكن “الهم” سوى الحديث عن “الاستقلالية” التي تهاوت في مشهد الانشغال برئيس الوزراء على حساب عديد الفنانين، الذين كانت الفنانة سوسن المعالج احد الضاربين لأول “كلاش” في وجه لطيف وابراز التهاوي الثقافي الرهيب للمهرجان في وجه السياسي.

“افتتاحية” لطيف، المعروف في احدى الاذاعات بافكاره المنتحية نحو السطحية والمنجذبة للابتذال، كانت في العنوان الاول في موقع “ايام قرطاج السينمائية” المصمم بطريقة متخلفة من ناحية الجاذبية او الهيكلة او التفاعلية او حتى المحتوى الفاقد للمعطيات الضرورية كتلاخيص الافلام والمعطيات المتعلقة بها، او فلسفة الدورة واهدافها ووسائلها وميزاتها عن سابقاتها، او المتابعات حول تفاعل الجمهور حضورا وتحليلا وتعليقا على الافلام المعروضة، او التمويل والميزانية والداعمين الاقتصاديين من ناحية الارقام المالية المقدمة.

الاتصال كان مفقودا لدرجة كبرى، والخيمة المركزة في شارع بورقيبة لا تجيب عن تساؤلات الجمهور، ولا تتقبل التعليقات والنقد وادارة المهرجان منزوية في النزل وقصر المؤتمرات الخاضعين لرقابة وفرز في الدخول، ولا يمكن لغير “المعتمدين” الحائزين على “بادج” الوصول لهذه الادارة المنعزلة عن مهرجان يستوجب التواصل المباشر مع الجمهور وليس الغرق في “الايتيكات” الفارغة التي تتناقض وواقع تونس الذي يعيش ازمة اقتصادية فرضت ترشيد النفقات والرأفة بالمال العام المقتطع من جيب المواطن المصروف في احد ارقى النزل بشارع بورقيبة بجناح فاخر مخصص لادارة المهرجان التي انبتت عن استحقاقات المهرجان في ارتباطه بقضايا الاستقلال الوطني الاقتصادي وتحقيق اهداف الكرامة والتنمية ودعم الثقافة العربية والافريقية.

اليوم الشباب التونسي يعيش على وقع الاحباط في ظل غياب التنمية والتشغيل وانسداد الافق في ظل تواصل المحسوبية والتمييز والرشوة والفساد وفي ظل استمرار عجز السلطة عن اجتراح حلول مبتكرة، وفي ظل الانتهازية المتصاعدة للسياسيين وافلاس النخب المختلفة، وكنا ننتظر برمجة متساوقة مع هذا الواقع ولكن طغت كالعادة الافلام الفرنسية المتناقضة مع مستوجب سيادتنا الثقافية والسياسية والاقتصادية، وكالعادة المؤسسة الثقافية الفرنسية “Institut francais” برزت وكأنها هي المشرف الرسمي على المهرجان، وتراجع حظ السينما الافريقية والجنوب امريكية والاسيوية بات واضحا.

حضرت بعض الافلام وتبادلت الافكار مع بعض الاصدقاء حول مشاهداتهم وبحثت في الافلام المبرمجة، التي كانت متواضعة ودون اضافة نوعية تذكر في عمومها، فضلا عن مجافاتها للحظة وتنكرها لمقتضيات خلق الحلم والمساهمة في التاسيس لمشروع حضاري يحقق النهضة المرجوة؛ فلم “اشتباك” “clash” المصري للمخرج “محمد دياب” الذي دار لمدة تقارب الساعتين داخل سيارة بوليس “باغة” بمساحة ثمانية امتار مثل علامة مضيئة في هذه الدورة وكانت رسالته عميقة حول التازم السياسي والاجتماعي الحاصل في مصر بعد انقلاب 2013 (البعض يعتبرها ثورة)، وهو الفلم الذي لاقى تضييقات عالية في مصر السيسي اعلاما وسلطا لمقاربته الموضوعية غير المادحة للنظام حول حاضر مصر ومستقبلها.

وثائقي “action kommandant” الجنوب افريقي الذي شاهدته على خلاف الفلم المصري الذي كان امام شبابيك مغلقة حقق نسبة متواضعة وانسحب اغلب الحضور المتواضع منذ نصف الساعة الاولى وكان بلغة انقليزية نفرت منه المشاهدين هذا فضلا عن غرقه في السرد الحاد لواقع تنظيم تلميذي اختار المقاومة المسلحة نهجا لمواجهة “الابارتايد”. بعض الاصدقاء حدثوني عن حضورهم لافلام غادروها بعد بعض الدقائق، وبعضهم حضر في قاعات بكراسي خاوية، لكن في المقابل بعض القاعات كانت ممتلئة بالرغم من “التمرميد” في اقتناء التذاكر في تجربة “الكترونية” عطلها “الريزو” المتقطع والبطيء للغاية، ما جعل التأخير للدخول لبعض الافلام يقارب الساعة.

فوضى عاينها الجميع منذ الليلة الاولى وتواصل مع الجمهور ضعيف للغاية ومعطيات مفقودة، وتقليد فاشل للمهرجانات العالمية، ولكن الاخطر هو اغراق المهرجان في الرؤية الاستهلاكية المشهدية، في ظل غياب واضح لفلسفة ومشروع يتماشى واستحقاقات البلاد، بالتوازي مع استمرار التبعية لفرنسا تحت تاثير الانبهار والماضي وايضا السياسي ولكن هذه المرة مع بروز بوادر نزعة “التصابي” منذ الدورة المنقضية وتواصلت هذه السنة وجعلت المهرجان فاقدا لهويته وبصمته الاصيلة وظهرت محاولات “التجديد” سلخا وحتى مسخا جليا، والمهم بالنسبة للطيف هو “الزربية الحمراء” التي حاكت المشاهد العالمية الصاخبة التي سيوثق له بها المؤرخون بعد سنين!!

(*) قانوني وناشط حقوقي

 

 

Facebook Comments
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين العباسي

حسين العباسي يهين ثلاثة نواب من نداء تونس خلال كلمته في ذكرى اغتيال حشاد

Facebook Comments مرتبط

،10411،
%d مدونون معجبون بهذه: