الرئيسية / وطنية / القضاء / ملكية الأجانب للعقارات في تونس بقلم جعفر الربعاوي مستشار بمحكمة التعقيب

ملكية الأجانب للعقارات في تونس بقلم جعفر الربعاوي مستشار بمحكمة التعقيب

تونس-النهار نيوز

لئن حاول المشرّع قبل الإستقلال حماية الأجانب وخصوصا الفرنسيين منهم من خلال سنّه لقوانين جائرة بحق التونسيين تهدف أساسا إلى تمكينهم من اخصب الأراضي في تونس وتسجيلها لفائدتهم بواسطة المجلس المختلط Tribunal mixte بعد سنّ القانون العقاري في غرة جويلية 1885 وإعطاء الأحكام الصادرة بالتسجيل أو الترسيم الناتج عن حكم التسجيل قوة ثبوتية مطلقة في مواجهة الغير وعدم قابلية هذه الأحكام إلى إمكانية الطعن فيها سواء بوسائل الطعن العادية أو الغير عادية (1) فقد حاول المشرّع بعد الإستقلال تنظيم مسألة ملكية الأجنبي للعقارات في تونس وذلك على مستوى استرجاع تلكم العقارات من الأجانب وتصفية وضعيتها القانونية والعقارية قصد إدخالها من جديد في الدورة الإقتصادية.

أو على مستوى التضييق على الأجنبي فرصة امتلاك عقار من جديد في تونس.

فعلى مستوى تصفية أملاك الأجانب في تونس وجد المشرّع صعوبات كبيرة لإستكمال عملية التصفية رغم كثرة القوانين المنظمة للمسألة على غرار قانون التأميم والذي بات يعرف بقانون الجلاء الزراعي المؤرخ في 12 ماي 1964 والذي استرجعت بموجبه الدولة التونسية جميع العقارات الفلاحية التي اكتسبها الأجانب دون وجه حق خصوصا وأن الأمر يتعلق بالأمن الغذائي للتونسيين وهي مسألة تهم النظام العام الإقتصادي وتتعلق بالسيادة الوطنية واستقلال البلاد.

أمّا بالنسبة لبقية العقارات الغير فلاحية وخصوصا المبنية منها فقد تعددت النصوص القانونية وتعددت الإتفاقيات الثنائية واللجان الوطنية والهياكل المعنية دون أن يقع استكمال عملية التصفية وبقي قرابة 4973 عقارا إلى حدّ الآن على ملك الأجانب منها عدد 2810 عقارا تحت تصرف الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية SNIT والبقية في تصرف بعض الباعثين العقاريين وبعض الشاغلين لها عن حسن نية وعن سوء نية فاصبحت مجالا للمضاربة العقارية وللتحيل.

وما زاد في الطين بلة وضعيتها الحالية إذ أنّ أغلب البناءات هي في حالة خراب وآيلة للسقوط ويوجد من بينها 500 عمارة في قلب العاصمة فقط كلفت ميزانية الدولة 86 مليون دينار لصيانتها طبق تقديرات وزارة التجهيز.

وأمام هذه الصعوبات التشريعية التي وجدها المشرّع التونسي لتصفية أملاك الأجانب للعقارات المبنية قبل غرة جانفي سنة 1956 حاول المشرع التضييق من حق الأجنبي في امتلاك عقار في تونس من خلال فرضه للعديد من القيود التشريعية.

إلاّ أنه وأمام رغبته في خلق فرص الإستثمار للأجانب حاول في السنوات الأخيرة التخفيف من هذه القيود. ممّا سيتوجب منا توضيح القيود الحمائية التي وضعها المشرّع لإكتساب الأجنبي لملكية عقار في تونس – مبحث 1 – قبل أن نبيّن التوجه الجديد نحو الغاء هذه القيود الحمائية من خلال أعفاء بعض العمليات العقارية من الرخص الإداريّــة المستوجبــة – مبحث 2 -.

اولا-الأساس القانوني للقيود الحمائية

يعتبر حق الملكية من أهمّ الحقوق التي كرستها القوانين والمواثيق الدولية إذ نصّت المادّة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : إن لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالإشتراك مع غيره.

” وقد نصّ الفصل 14 من دستور غرة جوان 1959 انّ : ” حق الملكية مضمون ويمارس في حدود القانون”

وفي نفس السياق كرّست السلطة التأسيسية في تونس في ظل الجمهورية الثانية هذا الحق إذ نصّ الفصل 41 من دستور 10 فيفري 2014 أنّ :

” حق الملكية مضمون ولا يمكن النيل منه إلاّ في الحالات وبالضمانات التي يضبطها القانون…”

وبالتالي فإن اخضاع العمليات العقارية التي يكون احد أطرافها أجنبيّا للترخيص المسبق يعتبر تقييدا لهذا الحق الدستوري مما يستوجب منا توضيح مفهوم الاجنبي – فقرة أولى – ومجال الرخص الإدارية – فقرة ثانية.

أ‌) مفهوم الأجنبي

دون الخوض في النقاش النظري الذي أثير حول مفهوم الأجنبي وارتباط ذلك بمسائل ايديولوجية وسياسية وعرقية وقد تصل في بعض الأحيان إلى تعاريف عنصرية نكتفي بالقول أنه بالرجوع إلى مجلة الجنسية وبعض القوانين الأخرى ذات العلاقة كالقانون الإداري والقانون الدستوري وقانون الحالة المدنية والقانون التجاري والقانون الدولي الخاص والقانون الدولي العام أنّ الأجنبي هو كل شخص لا يحمل الجنسية التونسية بقطع النظر عن كونه مقيما بالتراب التونسي أم لا.

وإن كان الإشكال لا يطرح بالنسبة للأشخاص الطبيعيين لسهولة إثبات ذلك فإنه يطرح بشدة بالنسبة للذوات المعنوية ذلك أنه وخوفا من ملكية الأجنبي لعقار فلاحي من خلال التستّر بالأشخاص المعنوية فقد منع القانون على الشركات مهما كان نوعها امتلاك العقارات الفلاحية حتى وإن كان المساهمين فيها من ذوي الجنسية التونسية.

إلاّ أنه وبعد فشل تجربة التعاضد وتفتح الدولة على النظام الليبيرالي في بداية السبعينات صدر القانون عدد 15 لسنة 1971 المؤرخ في 13 أفريل 1971 والذي بموجبه سمح المشرّع لنوع من الشركات وهي الشركات المدنية بتملك الأرض الفلاحية بشرط أن يكون كل المساهمين فيها من ذوي الجنسية التونسية.

كما تدخل المشرع ليسمح لنوع آخر من الشركات بامتلاك الأراضي الفلاحية وهي الشركات ذات المسؤولية المحدودة بشرط كذلك أن يكون كل المساهمين فيها من ذوي الجنسية التونسية.[1]

وخلاصة القول أنّ جنسية الشركات مستقلة رغم أن جنسيتها مستقلة عن جنسية المساهمين فيها وهي تخضع للقانون التونسي وتعتبر تونسية طالما أنه وقع تكوينها بالبلاد التونسية ومقرها بها[2].

أما إذا تمّ تكوينها خارج البلاد التونسية أو يوجد مقرّها الرئيسي خارج البلاد فتعتبر أجنبية وخاضعة للرخص الإدارية المستوجبة إذا كانت طرفا في العملية العقارية.

وإن كنّا نتفهم حرص المشرع على اشتراط توفر الرخصة الإدارية كلّما كان الأجنبي مشتريا للعقار لأسباب حمائية ولتعلق ذلك بمسألة السيادة الوطنية وأسباب أمنية بحتة باعتبار أن اشتراط توفر الرخص الإدارية يمكّن الدولة من مراقبة العملية العقارية المطلوبة من حيث أطراف العقد والعقار موضوع العقد والهدف من وراء ذلك وعدد الجالية الأجنبية الموجودة بالجهة التي يوجد بها العقار المبيع فإن ذلك لا يستقيم في صورة ما إذا كان البائع اجنبيا والمشتري تونسيا باعتبار أن ملكية العقار المبيع ستعود لمواطن تونسي وبالتالي عدم وجود مصلحة لإشتراط توفر الرخصة الإدارية.

وقد دأب فقه القضاء التونسي وخاصة فقه قضاء المحكمة العقارية سواء في ميدان التسجيل العقاري الإختياري أو الإجباري أو في ميدان تحيين الرسوم العقارية المجمدة أو في ميدان الطعون في قرارات حافظ الملكية العقارية على تجاوز عدم توفر الرخصة الإدارية إذا كان مشتري العقار تونسيا والبائع أجنبيا وذلك في إطار فهم موسع للفلسفة التشريعية La politique législative للقيود الحمائية التي وضعها المشرّع في العمليات العقارية التي يكون أحد أطرافها أجنبيا. ولو أن ذلك قد يتعارض مع مسائل أمنية تتعلق أساسا باحصائيات دقيقة تمسكها الإدارة التونسية حول عدد العقارات التي يملكها الأجانب ومكان تواجدها وهو ما يجرّنا للحديث عن مجال الرخص الإدارية للعمليات العقارية التي يكون أحد أطرافها أجنبيا.

ب- مجال الرّخص الإدارية

أصدر المشرّع التونسي بتاريخ 04 جوان 1957[3] أمرا أخضع بموجبه جميع العمليات العقارية المتعلقة بالأراضي الفلاحية والأراضي غير المبنية وغير المقسمة إلى الرخصة الوجوبية من والي الجهة ثم وبمقتضى المرسوم عدد 13 لسنة 1961 المؤرخ في 8 أوت 1961 تمّ سحب مفعول الأمر المذكور على جميع العقارات مهما كانت صبغتها فلاحية أو سكنية أو صناعية أو تجارية أو سياحية.

إلاّ أن اشتراط توفر رخصة الوالي في جميع العمليات العقارية ومهما كانت جنسية اطراف العقد كانت له آثارا وخيمة على مستوى الدورة الإقتصادية لما للعقار من دور في تحقيق التنمية باعتباره أهم وسيلة للإئتمان لدى البنوك مما حدا بالمشرع إلى التدخل بموجب المرسوم عدد 4 لسنة 1977 المؤرخ في 21 سبتمبر 1977 قصد إعفاء التونسيين من الرخصة السابقة للوالي للعمليات التي يجرونها فيما بينهم فانحصر منذ ذلك التاريخ ميدان تدخل أمر 4 جوان 1957 في العمليات العقارية التي يكون فيها أحد أطرافها أجنبيا.[4]

ثمّ تتالت النصوص القانونية المقيدة لحق ملكية الأجنبي للعقارات في تونس ويبقى أهمّها القانون عدد 5 لسنة 1964 المؤرخ في 12 ماي 1964 المتعلق بتأميم الأراضي الفلاحية والذي حجّر على الأجنبي امتلاك عقار فلاحي في تونس.

أمّا بالنسبة للعقارات الغير فلاحية فقد أخضعها المشرّع إلى الترخيص المسبق من الإدارة محاولة منه لفرض رقابة على العمليات العقارية التي يكون أحد أطرافها اجنبيا ، فاشترط رخصة رئيس الجمهورية بالنسبة للأجنبي الذي يرغب في ملكية أرض فلاحية قصد وضع إقامته بها.

ورخصة الوزير الأول بعد أخذ رأي وزير الخارجية بالنسبة لإقتناء دولة أجنبية للعقارات الكائنة بالبلاد التونسية[5] ثمّ رخصة وزيير التجهيز بالنسبة للعمليات المتعلقة بالعقارات التي هي على ملك الأجانب والمبنية أو المكتسبة قبل غرة جانفي 1956 والتي أصبحت من اختصاص وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية بموجب القانون عدد 20 لسنة 1992 المؤرخ في 03 فيفري 1992.

إلاّ أنّ أهمّ ما يهمّنا في هذا الجانب هو الجزاء الصارم الذي رتبه المشرع على عدم توفر الرخصة الإدارية في العمليات العقارية التي يكون أحد اطرافها أجنبيا أو عدم التنصيص عليها وعلى تاريخها بالعقد وهو البطلان المطلق ويمكن أن تثيره المحكمة أو الإدارة من تلقاء نفسها.

ومن نتائج ذلك أن العقد يعتبر باطل حتى وإن تمّ الحصول لاحقا على الرخصة الإدارية وأن حق القيام في طلب الإبطال يتمتع به كل من له مصلحة وأنه لا يمكن الإحتجاج بالعقد المذكور تجاه الغير تطبيقا لأحكام الفصل 325 من م ا ع الذي ينصّ على أنه ليس للإلتزام الباطل من أصله عمل ولا يترتب عليه شيء إلاّ استرداد ما وقع دفعه بغير حق بموجب ذلك الإلتزام.

وقد كرس فقه القضاء التونسي وخاصة فقه قضاء محكمة التعقيب هذا الإتجاه في العديد من قراراتها[6].

أمّا بالنسبة لفقه قضاء المحكمة العقارية فقد استقرّ على تجاوز عدم توفر الرخصة الإدارية إذا كان المشتري تونسيا أمّا إذا كان أجنبيا فقد اختلفت الآراء في هذا الإتجاه إذ هناك من يتمسك ببطلان العقد وبالتالي عدم امكانية الحكم بالتسجيل الفائدته في إطار مطالب التسجيل الأختياري أو التسجيل الإجباري أو في إطار مطالب تحيين الرسوم العقارية المجمّدة على معنى القانون عدد 34 لسنة 2001 المؤرخ في 10 أفريل 2001 أو في إطار مطالب الطعون في قرارات حافظ الملكية العقارية على معنى الفصل 388 من م ح ع.

وهناك من يتجاوز هذه الرخصة في إطار مطالب التحيين على أساس ان قانون التحيين هو قانون استثنائي ويهمّ النظام العام الإقتصادي وقواعده آمرة فضلا على أنه قانون خاص وجب تقديمه على القانون العام خصوصا إذا كانت العملية المطلوب ترسيمها في إطار حلقة من حلقات الترسيم التي تنتهي بملكية تونسي للعقار وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 5 من قانون التحيين والذي جاءت صيغته عامة والمفروض أنها تؤخذ على إطلاقها إذ نصّ الفصل المذكور ” أن المحكمة العقارية (والمقصود هنا قاضي السجل العقاري ودائرة الرسوم المجمدة كل في حدود اختصاصه) تنظر في جميع الصعوبات الناشئة عن عدم اتمام الإجراءات القانونية المطلوبة لدى إدارة الملكية العقارية وفي المطالب الرامية لتجاوز تلك الإجراءات أو تسهيل القيام بالعمليات المطلوبة…”

ولعلّ هذا التوجه الجديد للمحكمة العقارية يجرّنا للحديث عن توجه المشرّع نحو الغاء التراخيص الإدارية في العمليات العقارية التي يكون احد اطرافها أجانب وذلك لتسهيل التعامل على العقارات وتشجيع الإستثمار من خلال ادخال العقار في الدورة الإقتصادية.

ثانيا- إعفاء بعض العمليات العقارية من الرخص الإدارية

سعيا منه إلى جلب الإستثمار وتبسيط اجراءات اكتساب الأجنبي لملكية عقار في تونس لتحريك الدورة الإقتصادية وبعث المشاريع الإقتصادية لما للعقار من دور في تحقيق التنمية تدخل المشرع على مستويين لتحقيق هذه الغاية ، سواء من خلال المصادقة على اتفاقيات الإستيطان المبرمة مع بعض الدول الشقيقة والصديقة – فقرة 1 – أو على المستوى التشريعي من خلال الإعفاء الصريح من واجب الحصول على الرخصة الإدارية من طرف الأجنبي إذا كانت الغاية من ملكية العقار بعث مشاريع صناعية أو سياحية – فقرة 2.

أ‌) المصادقة على اتفاقيات الإستيطان

أبرمت الحكومة التونسية عدة إتفاقيات استيطان مع عدة دول شقيقة وصديقة على غرار الجزائر والمغرب وليبيا والنيجر تمّ الإقرار بمقتضى هذه الإتفاقيات لرعايا هذه الدول حق اكتساب الملكية في تونس ومعاملتهم معاملة الرعايا التونسيين وبالتالي اعفاءهم من اشتراط الحصول المسبق على الرخصة الإدارية كلما كانوا اطرافا في العمليات العقارية.

إذ أبرمت الدولة التونسية مع ليبيا بمدينة طرابلس اتفاقية في 14 جوان 1961 تمت المصادقة عليها بالقانون عدد 1 لسنة 1962 المؤرخ في 9 جانفي 1962 واتفاقية مع الجزائر اتفاقية بمدينة الجزائر في 26 جويلية 1963 المصادق عليها بالقانون عدد 34 لسنة 1966 المؤرخ في 3 ماي 1966 واتفاقية مع المملكة المغربية بمدينة تونس في 9 ديسمبر 1964 والمصادق عليها بالقانون عدد 35 لسنة 1966 المؤرخ في 3 ماي 1966 واتفاقية مع النيجر المبرمة بمدينة تونس في 18 اكتوبر 1966 والمصادق عليها بالقانون عدد 14 لسنة 1967 المؤرخ في 10 أفريل 1967.

كما تم تبادل رسائل بين تونس وفرنسا بتاريخ 20 اكتوبر 1997 قصد تسوية املاك الفرنسيين بتونس والمتعلقة بالعقارات المبنية أو المكتسبة قبل غرة جانفي 1956 وتمت المصادقة على هذا التبادل للرسائل بالقانون عدد 104 لسنة 1998 المؤرخ في 18 ديسمبر 1998 وكذلك مع الدولة الإيطالية بتاريخ 24 جويلية 1999 وتمت المصادقة على ذلك بالقانون عدد 5 لسنة 2000 المؤرخ في 24 جانفي 2000.

ولعلّ ما يهمّنا في هذا الجانب هو الإشكاليات القانونية المطروحة بعد المصادقة على كل هذه الإتفاقيات إذ أنه من المعلوم أن الإتفاقية هي أعلى درجة من القانون طبق التسلسل الهرمي للقوانين التي يحتل الدستور أعلى مراتبها ثم تأتي المعاهدات الدولية والقوانين الداخلية والأوامر والمناشير ورغم أن فقه القضاء التونسي استقر على تطبيق هذه الإتفاقيات الدولية واعفاء رعايا الدول التي ابرمت اتفاقيات مع الدولة التونسية من شرط الحصول المسبق على الرخصة الإدارية تطبيقا لما ورد ببنودها على غرار ما ورد بالفصل 5 من الإتفاقية المبرمة مع المملكة المغربية الذي ينصّ صراحة أنه ” لرعايا كل من البلدين لدى البلد الآخر الحق في ممارسة العمل وحيازة الأملاك العقارية والمنقولة والتصرف فيها بكافة أنواع التصرف وممارسة جميع أنواع الصناعة والتجارة والزراعة وأية مهنة كانت بما في ذلك المهن المقننة وذلك على قدم المساواة مع المواطنين في الحقوق والواجبات وتطبيقا للقوانين المطبقة عليهم.

ويجوز ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذه المادة من طرف رعايا كل من البلدين في بلاد الطرف الآخر سواء أكانوا أشخاصا طبيعيين أو أشخاصا اعتباريين.

إلاّ أنّ ذلك لا يخلو من وجود بعض الإشكاليات القانونية المتعلقة بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل وبما أن هذه المسألة هي سياسية بامتياز فقد تفادى فقه القضاء التونسي وخصوصا فقه قضاء المحكمة العقارية الخوض فيها إذ اعتبرت دائما وفي اغلب الأحكام الصادرة عنها أن عدم تعليق الإتفاقيّة أو الغائها من طرف الحكومة التونسية هو قرينة على وجود معاملة بالمثل من طرف الدولة الاجنبية الى حدود سنة 2005 عندما قام المشرّع بتنقيح الدستور ليصبح تطبيق الإتفاقية مشروطا بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل وبالتالي أصبح وجوبا على المحكمة التأكد من تطبيق هذا المبدأ قبل تطبيق الإتفاقية نظرا لعلويّة الدستور على المعاهدات.

وفعلا برز اتجاه فقه قضائي يقضى بمكاتبة وزارة العدل بمناسبة النظر في قضية موضوعها عملية عقارية خصوصا إذا كان أحد أطرافها جزائريا لتقوم هذه الأخيرة باحالة المراسلة على وزارة الشؤون الخارجية لتقوم بإحالتها بدورها على السفير التونسي بالجزائر للتأكّد من تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل من طرف الحكومة الجزائرية.

إلاّ أنه سرعان ما تمّ العدول عن هذا الإجراء لما فيه من تعطيل لمصلحة المتقاضين فضلا عن تدخل السلطة التنفيذية في مجال السلطة القضائية خصوصا وأنّ الإرادة السياسية في تلك الفترة كانت مع التضييق على الإشقاء الجزائريين من حقهم في ملكية عقارات بتونس منذ بداية التسعينات خوفا من هاجس الإرهاب وبحجة عدم معاملة التونسيين بالجزائر بالمثل.

وواصل فقه قضاء المحكمة العقارية تطبيق اتفاقية الإستيطان المبرمة مع الجزائر والتي بموجبها يعفى الرعايا الجزائريين من شرط الحصول على الترخيص المسبق في العمليات العقارية الناقلة للملكية[7] ، أمّا بالنسبة للإدارة ونقصد هنا الولاة والقباضة المالية وإدارة الملكية العقارية فقد دأبت على إشتراط توفر الرخصة الإدارية على كل العمليات العقارية التي يكون أحد أطرافها أجنبيا حتى وإن كان هذا الأجنبي ينتمي إلى أحد الدول التي أبرمت إتفاقية إستيطان مع الدولة التونسية وذلك في إطار تنفيذ مذكرة صادرة عن المدير العام للمراقبة الجبائية إلى السادة رؤساء المراكز الجهوية لمراقبة الأداءات بتاريخ 01 جويلية 1994 ومذكرة صادرة عن حافظ الملكية العقارية بتاريخ 30 جوان 1995 ومذكرة صادرة عن وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية إلى السيد حافظ الملكية العقارية والمديرين الجهويين للملكية العقارية بتاريخ 19 سبتمبر 1995 ومنشور صادر من وزير الداخلية إلى السادة الولاة بتاريخ 18 سبتمبر 1995.

ويطرح هنا السؤال في خصوص علوية المعاهدات الدولية على المناشير ومذكرات العمل ورغم ذلك فقد دأبت هذه الإدارات على تطبيق المنشور ومذكرات العمل وبالتالي مخالفة المعاهدات وهو ما دفع بالمعنيين بالأمر إلى الإلتجاء إلى القضاء سواء محاكم الحق العام أو المحكمة العقارية التي استقرّ فقه قضائها مثلما سبق الإشارة إليه إلى تطبيق الإتفاقية واعفاء الأجانب الذين ينتمون إلى دول أبرمت اتفاقية استيطان مع الدولة التونسية من شرط الحصول المسبق على الرخصة الإدارية.

وصدرت مؤخرا عن السيد حافظ الملكية العقارية مذكرة عدد 14 لسنة 2012 بتاريخ 16 جويلية 2012 بناء على مكتوب وزارة الشؤون الخارجية الصادر بتاريخ 06 جوان 2012 تمّ بموجبها اعفاء المواطنين الجزائريين المقيمين بتونس والحاملين لبطاقة إقامة سارية المفعول من الإدلاء بالرخصة الإدارية المسلمة من قبل الوالي والمشترطة مسبقا في العمليات العقارية بموجب الأمر الصادر في 04 جوان 1957 وتجدر الإشارة إلى أن العمليات العقارية المتعلقة بالعقارات الفلاحية غير مشمولة طبعا بهذا الإجراء.

ب- التوجه التشريعي الحديث :

إنّ التوجه الحمائي الذي سلكه المشرع التونسي لاقي ولا يزال العديد من الإنتقادات لتعارضه مع القوانين والمواثيق الدولية التي تعتبر أن حق الملكية هو من بين أهم حقوق الإنسان الكونية فضلا على أن القيود الحمائية التي فرضها المشرع ساهمت في هروب المستثمرين الأجانب وبالتالي تفويت فرصة بعث مشاريع اقتصادية وتنموية بالبلاد التونسية وانتصابها ببلدان شقيقة وفرت الظروف الملائمة لهم سواء من ناحية توفير العقارات لهم باثمان رمزية أو من ناحية التشجيعات المالية والجبائية والغاء جميع الرخص الإدارية التي تمثل أكبر عائق يعاني منه المستثمر الأجنبي عند حلوله للإنتصاب ببلادنا لبعث مشروع اقتصادي.

ذلك أن رخصة الوالي وحدها تتطلب الإستظهار باثنى عشر وثيقة لتقديم مطلب للحصول عليها مثل شهادة الملكية ووعد البيع والمثال الهندسي وشهادة في صبغة الأرض…

كما أن جواب الإدارة قد يتطلب ستة أشهر على الأقل لإستكمال الدراسة القانونية للملف والبحث الأمني.

وهو ما دفع بالمشرع إلى اصدار القانون عدد 40 لسنة 2005 المؤرخ في 11 ماي 2005 والذي بموجبه أعفى الأجانب صراحة من واجب الحصول على الترخيص الإداري في العمليات العقارية التي تهدف إلى اقتناء وتسوّغ الأراضي والمحلات الكائنة داخل المناطق الصناعية والمناطق السياحية.

علما بأنه تم بمقتضى المنشور عدد 44 الصادر عن رئيس الحكومة بتاريخ 23 أوت 2005 توضيح أحكام القانون عدد 40 لسنة 2005 المذكور وذلك من خلال توضيح العمليات العقارية المعفاة من رخصة الوالي وتدقيق الشروط الخاصة بالعقارات المعنية بالإعفاء. وحرصا على دعم المناخ الملائم للإستثمار الخارجي ودفع عجلة الإقتصاد الوطني من خلال تشجيع المستثمرين الأجانب على الإنتصاب في البلاد التونسية وبعث المشاريع الإقتصادية بما من شأنه أن يخلق مواطن شغل ويخلق حركية اقتصادية أكدّ المنشور أنه يعفى الأجنبي من رخصة الوالي في الحالات التالية :

– عندما يقتني أو يتسوّغ الآراضي الكائنة داخل المناطق الصناعية أو السياحية

– عندما يقتني أو يسوّغ المحلات الكائنة داخل تلك المناطق

– عندما يكون بائعا أو مسوغا للعقار في إطار مشاريع متكاملة يتمّ تحديدها وفق عقد برامج مع الوزارة المكلفة بالإستثمار الخارجي

وتعفى كذلك من رخصة الوالي عملية انتقال ملكية الأراضي والمحلات المبنية بالمناطق الصناعية والأراضي بالمناطق السياحية المترتبة عن عملية ادماج أو انقسام أو تجمع أو تغيير الشكل القانوني أو إحالة إلى الغير للشركة أو فروع الشركات ذات أغلبية رأس مال اجنبي بشرط الإبقاء على نشاطها الإقتصادي.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الإعفاء من رخصة الوالي لا يهمّ ألاّ العمليات العقارية التي تكون الغاية منها إنجاز مشاريع اقتصادية ويشمل الإعفاء من هذه الرخصة العقارات الكائنة داخل المناطق التي تمّ اعطاؤها الصبغة الصناعية أو السياحية طبقا للتشريع الجاري به العمل المتعلق بتهيئة المناطق الصناعية من طرف الوكالة العقارية الصناعية AFI والمناطق السياحية من طرف الوكالة العقارية السياحية AFT والتشريع المتعلق بحماية الأراضي الفلاحية.

كما يشمل الإعفاء التقسيمات المهيأة التي اكتسبت صبغتها الصناعية أو السياحية في اطار أمثلة التهيئة العمرانية .

ورغم هذه الخطوة الإيجابية التي قام بها المشرع التونسي في إطار خذف العراقيل والقيود الإدارية من أجل الدفع بعجلة الإقتصاد الوطني إلاّ أن الاشكال يبقى دائما في مسألة الإعفاء من الرخصة الإدارية بالنسبة للعمليات العقارية السكنية خصوصا وأن آلاف الأجانب يرغبون في اقتناء مساكن بالبلاد التونسية بعد احالتهم على التقاعد للتمتع بجمال وروعة وشمس هذه البلاد ألم يقل نزار قباني طيب الله ثراه : ” هل لي بعرض البحر نصف جزيرة … أم أن حب التونسي سراب “

ومع ذلك فإن الإقدام عل هذه الخطوة لا يخلو من مخاطر تتعلق أساسا بتدني المقدرة الشرائية للمواطن التونسي وإنخفاض قيمة العملة التونسية بالمقارنة مع العملة الأجنبية وهو ما سيتسبب في ارتفاع أسعار العقارات والمضاربة العقارية ولعل وجود أكثر من مليون ليبي بالبلاد التونسية حاليا يدعونا الى التفكير جيدا قبل الاقدام على هذه الخطوة ولو أن الأشقاء اللبيين معفيين من واجب الأدلاء بالرخصة الإدارية طبقل لاتفاقية الاستطلان المبرمة بين الحكومتين التونسية و الليبية بتاريخ 14 جوان 1961.

[1] – الحبيب الشطي ، نفس المرجع ص 121..

[2] – التطوّر التشريعي حول الأملاك العقارية للأجانب بتونس : الطيب اللومي

[3] – أنظر أمر 4 جوان 1957 وخاصة التنقيحات الواردة بقانون 19/06/1959 و 28/09/1959 ومرسوم 08/08/1961 وقانون 15/07/1963 وقانون 31/12/1976 ومرسوم 21/09/1977 وقانون 18/12/1998 وقانون 24/01/2000 وقانون 11/05/2005.

[4] – أنظر الحبيب الشطي : دراسات في القانون العقاري (المجموعة الثالثة) ص 128. دار الميزان للنشر.

[5] – أنظر قانون 28/02/1959

[6] – أنظر على سبيل المثال قرار مدني عدد 9364 بتاريخ 14 مارس 1974 شرية محكمة التعقيب لعام 1974 القسم المدني ج 1 ص 66.

[7] – أنظر على سبيل المثال : حكم التسجيل عدد 53320 الصادر عن المحكمة العقارية بتونس بتاريخ 10/07/2012.

Facebook Comments
x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهدي جمعة يعود بتصريح مزلزل: تونس تعيش أزمة رداءة حقيقية !

Facebook Comments مرتبط

،10411،
%d مدونون معجبون بهذه: