الرئيسية / الرئيسية / أقلام حرّة / نعلل النفس بالآمال في تونس
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2014-08-18 22:31:09Z |  |
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2014-08-18 22:31:09Z | |

نعلل النفس بالآمال في تونس

تونس-النهار نيوز

كتب نورالدين العلوي:

نعلل النفس بالآمال لنبقى في تونس ونعللها لتبقى تونس ونعلل تونس لتبقى فيها آمال للأجيال على ضفاف أنهار الدموع المنسابة أمام جلسات الحقيقة والكرامة. نقف مشدوهين حائرين مذهولين نحاول تفادي السقوط فقد كنا نسمع عن ضحايا التعذيب حتى رأيناهم. فرأينا عجبا وسمعنا قهرا مقطرا تقطيرا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه مع كفكفة الدموع ماذا بعد جلسات الاستماع سواء تعددت أو اختصرت؟

ماذا سيفعل التونسيون ببلدهم بعدما سمعوا عن جوهر دولتهم التي حكمتهم ستين سنة بالحديد والنار؟ أين يذهبون أو كيف يستثمرون هذه الآلام العظيمة لبناء مستقبل أقل إيلاما فلا أحد يطمع أن ينتهي الألم بين ليلة وضحاها؟

مشهد واحد يتكرر منذ ستين عاما بلا وجل

أحسنت هيئة الحقيقة والكرامة في تقديم مشهد متعدد عبر الأجيال. تكلمت أجيال الضحايا. وإن لم يكن بالترتيب التاريخي لوقائع التعذيب. كشف حمادي غرس (مجاهد من أجل الاستقلال) زيف كذبة الاستقلال السياسي والإداري عن المستعمر الفرنسي والخدعة البورقيبية الكبرى قاعدة الفخر والتباهي عند المنظومة التي أسقطتها الثورة ولم تحطمها. وكشف المناضل جلبار نقاش (مناضل يساري) زيف المشروع التنموي لدولة الاستقلال الذي كان محتاجا إلى أشد أشكال القمع السياسي ليقوم بمواصلة البورقيبية الخائنة. ثم رتبنا بقية الاعترافات جيلا بعد جيل. جريمة قمع انتفاضة الحوض المنجمي التي كانت تمهيدا لثورة الحرية والكرامة واطلعنا على مذبحة الإسلاميين وبعض اليسار تحت حكم بن علي. ومازال الحبل على الجرار رغم أن أغلب المتحدثين أخفى من الخجل والعفة الكثير من المشاهد الإجرامية فلمّح ولم يصرّح. حتى اللحظة كانت التفاعلات عاطفية صرفة وحقد شديد على المنظومة منذ تأسيسها وتعاطف مطلق مع الضحايا ولكن لم يبدر سؤال عميق عما نفعل بهذا الكم من الوعي الشقي؟

رثاثة المنظومة وخستها

أطلقت المنظومة أو ما تبقى منها بعد الاعترافات مجموعة من أصواتها في الإعلام الخاص والعمومي لتلعن الضحايا وتدافع عن الجلادين وتهاجم ملابس رئيسة الهيئة وتحط من ذوقها اللباسي ومكياجها دون أن تناقش جوهر المسألة فتبين أنه لم يعد للمنظومة من يدافع عنها بقوة واقتناع. لقد تكلم رعاع المنظومة بينما لمعت رؤوسها المعروفة بالغياب فلا نجد من (كبارها من جرؤ على الكلام أو الظهور الإعلامي).

مشهد غياب ذكرنا بمرحلة السفساري وهي مرحلة التخفي التي عاشها رؤوس التجمع ورجال المخلوع طيلة عام 2011 عندما كانوا يتخفون في لباس النساء ليقضوا لوازمهم من المتجر فلا يتعرف عليهم الناس. أمام هيئة الحقيقة والكرامة عاد رجال المنظومة إلى السفساري الإعلامي فلم نسمع لهم ركزا بينما تكلمت الصفوف العاشرة مما لا يعتد برأيهم ولا يهتم لهم سامع أو مجادل.

هل يدل على ذلك على أن المنظومة انهزمت أمام الحقيقة؟ الواقع أن المنظومة مهزومة أخلاقيا ولا قدرة لها على الدفاع عن تاريخها لأنها في جوهرها ليست منظومة قائمة على مبادئ ومشاريع. وليس لها فكر مؤسس. ولكنها مرة أخرى تكشف طبيعتها الانتهازية. فالنظام والدولة ليست أكثر من غنيمة يمكن النهل منها لكن دون تكبد عناء الدفاع عنها علنا إذا كان الغدر والحيلة كفيلان بذلك. جلسات الاستماع وبقدر ما ذكرت بوضاعة الأمني الذي يتمتع بالتعذيب بقدر ما ذكرت بضِعِة السياسي الذي لا يتحلى بشجاعة الدفاع العلني عن نظامه الذي مكّنه من الغنيمة.

تجارب الانتقال الديمقراطي التي أقامت مثل هيئة الحقيقة والكرامة وخاصة تجربة جنوب افريقيا قدمت مثالا عن شجاعة رجال النظام العنصري عندما وقفوا معتذرين ووضعوا حدا للابرتهايد وقبلوا بمانديلا رئيسا. هذا النموذج لا يبدو أنه يغري منظومة بورقيبة/ بن علي بسلوك مماثل. لذلك وفي مشهد من الرثاثة والخسّة أطلقوا على الهيئة متكلميهم من إعلاميين وفنانين مغمورين ولبؤس المشهد لم يزودوهم بحجة أو موقف فانغمس هؤلاء في السخرية من ملابس رئيسة الهيئة وطريقتها في الكلام فلم يزيدوها الا قربا من الضحايا ومن ذويهم ومن أنصار الثورة الذين عادت لهم الروح بعد قهر.

أين أهل الدم؟

أمام رثاثة المنظومة وخسة رجالاتها يبدو أن أنصار الثورة وضحايا المنظومة يغرقون في دموعهم. فردّة الفعل التي ظهرت حتى الآن هي ردة فعل عاطفية متشنجة وغير عقلانية وهذا مفهوم في جانب كبير منه لأن ما سمعه الناس لا يمكن أن يسمع بعقل بارد لكن لا بد من عقل بارد في  محرقة الدموع ليقول ما الذي يمكن بناؤه سياسيا وأخلاقيا على هذه الشهادات التي ستتواصل بوتيرة محترمة.

هناك بعض أسئلة قد تساعد على توضيح الرؤية في طريق انهاء المظلوميات دون البقاء في البكائيات منها مثلا لا حصرا:
اذا كان العذاب قد وزّع على الجميع بالتساوي أي اذا كانت المنظومة البائدة قد قهرت كل مكونات المجتمع السياسي الذي لم يخضع لها فلماذا لا تتحول وحدة العذابات إلى وحدة فعل سياسي ضدها ولو بعد فرقة وشقاق في سنوات الثورة الأولى؟ أي بعيدا عن التضامن العاطفي المؤقت، هل توجد عقول سياسية قادرة على الخروج من المظلومية إلى عمل  سياسي موحد ضد ماكينة القهر التي لا تتورع عن العودة ولا تنوي الاعتذار وطيّ الصفحة.؟

هذا السؤال يفتح على سؤال آخر يبدو أعمق لماذا يعمل الاختلاف الايديولوجي بين مكونات المعذبين سابقا  كسبب للفرقة أمامها حتى وهي في أشدّ أوضاعها هشاشة وانكسارا ولا يرتقي بحامليه المختلفين إلى مراجعة جذرية لجوهر الاختلاف بناء على وحدة موقف المنظومة ضدها عبر سنوات الدولة؟

لهذه الجلسات ما بعدها بالضرورة. الوعي الشعبي ببشاعة المنظومة ازداد واتضح. وسيكون لذلك أثر في صندوق الاقتراع مهما تهربت منه المنظومة. فإذا أضفنا إلى الوعي بالتاريخ الوعي بفشل المنظومة في الخروج بالبلاد من أزمتها الاقتصادية بل حرصها على مزيد إغراقها في الديون الخارجية والفساد الاقتصادي في الداخل فإن الإجهاز عليها بالصندوق (الانتخابات) أو بغيره (الانتفاض الاجتماعي) صار أفقا ممكنا لكن الانقسام القديم في صفوف ضحاياها هو الذي يجعل السؤال عما بعدها بلا أفق جلي.

نذكر هنا أن المنظومة قد عادت في اعتصام الرحيل (2013) باللّعب على هذه المتناقضات فعمقتها وأغرت بعض الضحايا بقطع الطريق على ضحايا آخرين مما ذكّر بأنها عاشت طويلا من تغذية هذا الانقسام وإذا لم تفلح الأزمة الاقتصادية الراهنة ومخرجات جلسات الاستماع بما انجرّ عنها من وعي سياسي أعاد إلى أذهان الجميع زخم أيام الثورة الإنساني فإن المنظومة ستوفر لنفسها مخرجا جديدا لتستمر.

سنقول بوعي إنها منظومة تعيش من الفرقة بين معارضيها ولديها قدرة على اصطناع الفُرقة والاستثمار فيها. ونقول أيضا إن الأحزاب والتيارات المعارضة لها تعيش مشدوهة أو مكبلة بماضي فرقتها الأيديولوجي عاجزة أن ترتقي فوقه وعاجزة أن تتواضع لاحتمالات التعايش في بينها.

وهكذا ومثلما كشفت جلسات الاستماع أن لم يكن للمنظومة من برنامج للبلد إلا قهر شعبه والاستيلاء على خيراته بالاعتماد على العمالة للدولة المحتلة وغيرها من القوى الخارجية المتربصة فإنها تكشف حتى الآن أن من خوّل لنفسه إعداد منظومة بديلة للحكم أعجز من أن يعالج عوائقه الذاتية ليتمكن من الحكم وتقديم مشروع جديد لا نحتاج فيه إلى قمع الشعب.

نختم بالقول الآسف بخلاف العنوان الآمل إن الشعب التونسي يوشك أن يخسر زخم جلسات الاعتراف كما خسر زخم الثورة لأنه على وشك إهدار فرصة ثورية متاحة لا لتحطيم منظومة قمعية بائسة فقط بل لبناء بديل وطني اجتماعي فوق إيديولوجي قدمت واحة جمنة دليلا على إمكانه في الأرض لا في الكراسات النخبوية.

Facebook Comments

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النهضة والنداء،ناجي جلول،راشد الغنوشي

لسعد اليعقوبي: ناجي جلول يزور منبليزير أكثر من زيارته البحيرة

Facebook Comments مرتبط

،10411،
%d مدونون معجبون بهذه: